شروط ومعايير ومؤشرات جودة تدبر القرآن الكريم

ماهية وأهمية تدبر القرآن الكريم

ماهية وحقيقة التدبر في اللغة هو النظر في عواقب الأمور وما تؤول إليه ، بمعنى الوقوف مع أحكامه ( أوامره ونواهيه ) والتفكر الشامل لكافة عناصر ومكونات الموضوع. ، الواسع وبعيد المدى لما يمكن أن تصل إليه الدلالات في الآيات ، والذي يتم باستخدام وسائل وأدوات ومهارات و طرق ومناهج التفكير المختلفة خاصة الفكر التأملي بطرح الأسئلة والبحث عن إجابات لها ، ومنهج الفكر التحليلي بفهم حقيقة النص القرآني وتحليل معانية في ظل السياق العام للآيات ، وصولا إلى المعاني الجديدة التي يحتملها النص القرآني وفق قواعد اللغة العربية.

كذلك ربط الآيات والمقاطع القرآنية ببعضها وربط السور القرآنية ببعضها وطرح تساؤلات مختلفة حول هذا الربط سعيا للوصول إلى الأفكار والمقاصد الكلية للآيات . وعند ابن القيم: تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله.

وقيل في معناه: هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة.

وتتضح ماهية وقيمة وأهمية التدبر أكثر وأكثر كلما بحثنا في معانى ودلالات الآيات التى تناولت مفهوم التدبر كما في قوله تعالي : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).والتى تشير الى الغاية الكبري والمقصد الاساسي الأول من نزول القرآن الكريم هي التدبر ، وفي قوله تعالي (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر).

يؤكد لنا الحق عز وجل أنه وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية جعل الله القرآن كتاباً ميسراً للفهم لكافة مستويا العقول والإفهام ، وفي قوله تعالي : (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا). في إشارة إلي الإعجاز والضبط والحكمة الإلهية في القرآن ، وبلوغ معطياته درجة الحقيقة الكاملة التي يستند إليها كأساس ومنطلق لكثير من أبواب العلم والمعرفة ، وكمرجعية فى الحكم على ما غيره ، وفي قوله تعالي : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).يكشف لنا الحق عز وجل حقيقة أن القلوب بفطرتها وطبيعتها مهيأة للتدبر وفهم حقائق وعاني القرآن الكريم ، لولا الأقفال والأغلال التي يصنعها الإنسان على قلبه فتحول بينه وبين فهم القرآن الكريم ، وكأن القلب طائر يريد آن يحلق
في الفضاءات العقلية التي يفتحها القرآن الكريم ولكن القيود والأغلال تمنعه وتحرمه من حرية التدبر والسباحة فى فضاءات القرآن المطلقة طلاقة الحق عز وجل ، والأغلال هنا مفتوحة غير محدودة نذكر منها التلهي عن القرآن و المعصية ، أو ضعف وجمود وتخلف العقل عن أدوات ومناهج التفكير.
وفي قوله تعالي : (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ). أي بجودة الالتزام بقواعد أحكام تلاوته والتي تعد في ذاتها مفتاحا واسعا وتلقائيا لمعايشة معاني القرآن وتدبره .

وفي هذا السياق يمكننا تحديد وصف معايير لجودة التدبر في آيات القرآن الكريم يمكن تعليمها وتمكينها في النفوس ، ومتابعتها وقياسها سعيا وضمانا للتحسين المستمر لجودة حرفة وصناعة تدبر القرآن الكريم :

1ــ الالتزام الجيد بقواعد وأحكام التلاوة
2ــ طرد المشتتات الذهنية والتركيز التام فى التلاوة واحتلال بؤرة التفكير والشعور لحساب الآيات التي تتم تلاوتها .
3ــ الإلمام الجيد بتفسير الآيات ، وكلما اتسعت دائرة اطلاعه انفتحت له فضاءات اوسع وأرحب فهم الآيات وإنتاج أكبر قدر من المفاهيم المتجددة .
4ــ طول إعمال العقل في الآيات سعيا لفهمها ، كصائد اللؤلؤ الذى كلما غاص في أعماق البحر زادت فرصته في جنى أكبر عدد من حبات الؤلؤ.
5ــ ممارسة العديد من المهارات الذهنية من ملاحظة واستيعاب وتصنيف وتبويب وتحليل واستنتاج واستنباط .. إلخ بحسب طبيعة الآيات وصولا إلى كشف الكثير من الحقائق والمفاهيم التفصيلية في الآيات
6ــ تجميع الافكارالبسيطة في سياقات وأفكار كلية واحدة ، وإعادة تجميع الافكار الكلية في محاور أساسية وصولا إلى مقاصد الآيات .
7ــ محاولة اسقاط المفاهيم التي تم التوصل اليها للإجابة علي أسئلة ومشاكل وتحديات وتطلعات الواقع الحالي .
ومؤشرات نجاح عملية التدبر هو انتاج مفاهيم جديدة غير مسبوقة بخلاف وإضافة على ما ورد في التفاسير السابقة ، وإنتاج حلول جديدة مبتكر لأسئلة الواقع المعاصرالذى نعيشه .
———–
بقلم الدكتور / إبراهيم الديب
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
رئيس مركز هويتي لبحوث ودراسات الهوية
مستشار تخطيط وبناء القيم والهوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *